الاغتصاب برسم الزواج

الاغتصاب برسم الزواج

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً بالتباريك والتهاليل لإلغاء المادة 308 من قانون العقوبات الأردني؛الأمر الذي أثار حنقي بشكل لا أستطيع تجاوزه، ألهذه الدرجة أصبحنا كالقطيع نقص ونلصق دون أدنى دراية لما يحدث ودون تحري صحة المعلومة التي تردنا؟

ArabiaCell

أهذا هو الوعي الثقافي والاجتماعي اللذين لطالما تغنينا بهما؟ للمعلومية لازلنا بمشروع قانون معدل لقانون العقوبات لم يقر بعد، والمادة 308 ضمن هذا المشروع.
.
.
.
مجلس الوزراء أرسله لمجلس النواب الذي بدوره أحاله للجنة القانونية لبحثه وتعديله.
.
.
.
لمن قص ونسخ؛ وأغلب ظني أن لا دراية لهم بفحوى هذه المادة فهي تنص على إلغاء العقوبة لمن يوقع جرم الاغتصاب اذا ما تزوج من الفتاة المغتصبة.
.
.
.
عموما أن تلغى المادة أو لا، أن تعدل أو تلغى كاملة؛ فهي مازالت بالمشروع ونحن لازلنا ننتظر جلسة مجلس الأمة للبت فيها.
.
.
استشهادي بهذه الضجة هو لتوضيح وجهة نظري بخصوص هذه المادة وعلاقتها بمجتمعنا والتي يعتريها الأسى والألم وانا أشرحها لكنني ما تعودت يوماً أن أخفي قناعاتي أو أن أجمل من نفسي ليتقبلني الأخر؛ نهيك عن أن أول مراحل الإصلاح تأتي من التصالح مع الذات والاعتراف بالمشكلة، وانا هاهنا أعترف وأقر بأنني جزء من مجتمع متناقض أناني ببغائي نكرر ما نسمع دونما تفكير بتبعيات الأحداث ودون الالتفات لأصحاب المشكلة أعمانا التقليد والنداء بالشعارات الرنانة حتى بتنا لا نستخدم ما كرمنا به الله عن باقي المخلوقات.

الحديث بالمادة 308 قديم وشائك ومتجدد وهناك وجهات نظر مختلفة حول تداعياتها والأثار التي تحققها والناتجة عنها؛ البعض وأنا منهم يعتبرها مادة تفتقر للعدالة وتمس وتهدد الأمن الاجتماعي، فهي تتعامل مع المرأة بقسوة وكأنها وعاء.
.
.
جسد بلا روح ولا كيان لا يحق لها تقرير مصيرها، بالمقابل رحيمة بالرجل حتى وهو الجاني المخل بالأمن الاجتماعي جراء اقترافه لجناية أو جنحة تتعلق بالشرف، منحازة للجاني وليس للمجني عليها؛ ولو وضعت بموقف أهل الفتاة أو الفتاة لا قدر الله، لما رضيت بحل الزواج ولرغبت بالقصاص ولكن هذه أنا تمارا أبنة عمَان امرأة منفتحة على العالم رسخ فيي منذ طفولتي بأن لي كيان مستقل متساوية مع أخوتي الذكور بالحقوق والواجبات؛ للعلم عائلتي أبعد ما تكون عن العلمانية وهي كأي عائلة عمَانيه، لكن ما يميز عائلتي هي التزامهم بتعاليم ديننا الحنيف بوسطية فلا إكراه بالدين، ترا ماذا لو كانت تمارا واحدة من فتيات المحافظات التي رسخت فيها العادات والتقاليد والأعراف العشائرية هل كانت لتتصرف بالمثل وهل كان أهلها سيساندونها لتقتص من الجاني؟

الأردن ليست عمَان فقط والمادة المشار لها بالبنان لن تطبق بعمَان فقط؛ تشير الإحصاءات بأن ضحايا الاغتصاب لا يتجاوزن ال150 حالة سنوياً، وللمصداقية أستبعد صحتها فالحالات غير المسجلة كثيرة بسبب أعرافنا العشائرية وبسبب ردئ الفضيحة عن العائلة والعشيرة، فمازال مجتمعنا ينظر للفتاة نظرة دونية اذا ما تعرضت للاغتصاب وعائلات كثيرة تلقي باللوم على الفتاة المعتدى عليها ويفضلون التخلص منها لأنها تمثل العار؛ ورغم عدم اقتناعي بجلبها العار لعائلتها، ورغم يقيني بمسيس حاجتها لرعاية اجتماعية ونفسية وإعادة تأهيلها لتتجاوز هذا الاعتداء الهمجي وأثاره على مستقبلها وحاجتها للاقتصاص من الجاني؛ وأن المادة قيد التعديل تكافئ الجاني كما هو جلي، غير أني لا أملك سوى الاعتراف أن إلغاء المادة والملاحقة القانونية للجاني وما سيتبعها من جلسات استماع ومحاكمة ومحامين وفضائح وربما ثغرات قانونية قد تنتهي بتبرئة الجاني وإلقاء اللوم على الفتاة ستزيد من معاناة الكثيرات وأهاليهن، وأننا فعلاً بحاجة لهذه المادة كصمام أمان للأمن الاجتماعي لتفادي تزايد جرائم الشرف.

أنا مع الإصلاح والتطوير والمعاقبة؛ لكن دون إغلاق باب موجود لحل مشكلة خاصة فالحديث عن حالات فردية ولسنا بصدد مجرمين محترفين متخصصين بالاغتصاب.
.
.
الحل العشائري اعتمد السترة للضحية والجاني وعائلاتهما مع إبقاء حق أهل الفتاة المغتصبة بالموافقة أو الرفض، وإقامة الحد العشائري عليه بقتله والثأر منه؛ فعرضه للزواج بحد ذاته يعني إقراره واعترافه بفعلته.
.
.
ويقبل الكثيرون بالزواج كستر لأنفسهم ولبناتهم أملين ندم الجاني وتوبته عن ما اقترف، بسبب الضغوط الاجتماعية والثقافية، التي أسجل رفضي لها فأنا أعلم يقيناً بأن الرضى هو أحد اللبنات الأساسية للزواج، ولا أجده متوفر بوجود هذه الضغوط التي تزج بالضحية لقفص الاتهام، فهي نوع من أنواع الإكراه المعنوي الذي يفقد الفتاة مهارة امتلاك الاختيار ويفقد الزواج رسالته السامية؛ سواء من السكينة أو المودة والرحمة المذكورين بالكتاب المبين، ناهيك عن الاستقرار فأين هذا الاستقرار وغالبية هذه الزيجات مؤقتة؛ 3سنوات بالجنحة و5سنوات بالجناية، ورغم قناعاتي لكنني متيقنة من صعوبة حل هذه القضية بالمطلق، فلكل حالة خصوصيتها وتفاصيلها وعلى المشرع إيجاد حكم حازم وصارم ومنصف للحد من أنتشارها بمجتمعنا؛ فالعقاب الرادع لابد منه حتى لو تم الزواج ،ومن الضروري تغليظ العقوبة كإعدام الجاني بحال تكرار الواقعة.
.
.
.
إن ربط الاغتصاب بالقانون موجود أساسا كما أسلفت؛ والخيار متروك للمغتصبة وأهلها، وإلغاء المادة يعني تقليل خيارات الضحية بمعالجة ما حصل، لمجرد أن مجتمعا هيبوقراطيا يريد عقاب المغتصب بغض النظر عن مصير الضحية.
.
.
.
.
لنفكر بمنطقية؛ بقاء المادة ٣٠٨ هو خيار متوفر لمن أراده، فلما يلغى بالمطلق لإرضاء من ينادون بالحداثة ويريدون معاقبة الجاني وأنا منهم؟ أليس هذا ما حققه الغرب؟ هل انتهت جريمة الاغتصاب بمجتمعاتهم؟؟؟؟؟

مشاعري متضاربة؛ أطمح وأتمنى إلغاء هذه المادة وإيجاد حل لهذه القضية، لكني داخلياً متأكدة أن مجتمعي غير جاهز لتبعات إلغائها، فهذه الخطوة تتطلب تغير ثقافة مجتمعية كاملة من الصعب تغييرها بمجرد إلغاء مادة من الدستور كما يدعي البعض، نحن بصدد مشكلة متأصلة ذات أبعاد متجذرة بثقافتنا العشائرية بالنسبة لضحية جريمة الاغتصاب، أعلم أن الحل لا يكمن بالقضاء على مستقبلها وإرغامها على الزواج من شخص اعتدى عليها ليغتصبها جسدياً ومعنوياً بشكل يومي تحت مسمى عقد الزواج وتحت مظلة قانونية، فتزويجها يعني مضاعفة عقوبتها ويعد جريمة بحد ذاتها يجب أن يعاقب عليها القانون؛ أعتقد أن الحل الأسلم حالياً لمنع الاغتصاب هو قربنا من ديننا وشريعتنا لا بادعاء التمدن.

 

@tamaralbaghdadi

tamaraalbaghdadi@outlook.
com