رسالة إلى حابس المجالي

رسالة إلى حابس المجالي
حابس المجالي

خبرني  -  كتب :  محمد عبدالكريم الزيود

ArabiaCell

السلام عليك أبا سطام ، أعتذر أنّي أيقظتكَ ، فما زال الليل ثقيل يجثم على صدورنا ، والفجر قد طال ، لكن أعرف أن قهوتك عامرة في دلالها على النار التي ما خبت يوما ، ولم يغادر الفرسان ديوانك ، والخيل الأصايل أرخت عنانها .

إنهض وإصلح الشماغ على رأسك ، واملأ غليونك فالحديث طويل مملوء بالوجع والعتب .

إنهض فالدروب إلى القدس ما زالت وعرة ، وتذكرها ذات مساء وأنت تقود الكتيبة الرابعة في باب الواد ، والجنود الأردنيون يقنصون العدو ، وتنادي فيهم " أبوي المنيّة ولا الدنيّة " فيذوقونه طعم الهزيمة ، كان يوما من أيام الأردنيين معتق بروح الشهادة والدم والبارود .

أبا سطّام

الجيش العربي الذي قدته مرتان في ١٩٥٨ وفي ١٩٧٠ ما زال هو الجيش ، درّة التاج ورمز الهوية الوطنية وحامي الحمى ، وآخر حصن الأردنيين ، هو ليس جيشا وسلاحا وفوتيك ، وإنما هو وجدان الأردنيين وسندهم وملاذهم وقصائدهم ودم شهدائهم ، وروح الدولة التي لا يقبل الأردنيين أن يمسّ أو أن يشوّه أو تشوبه شائبة .

كان عدوك وعدونا واضحا أمام بنادقنا ، اليوم الأعداء يحيطون بحدودنا ، والأخوة أراحوا عدونا ويقاتلوننا نيابة عنه ، مرة باسم الدين ومرة باسم القومية ، ومرة باسم الأخوة وهم يقاسموننا الخبز والماء .

تذكرك الأردنيات أنت ورفيق دربك وصفي ، وقد ضاق الوطن وأنت الفارس الذي لّوحته شمس الجنوب ألقاً وحبّاً للترابِ الأردني ، ولم تزدك الرتب ولا الأوسمة شجاعة ، فقد كنت سيفاً عربياً وأنت تعبر دروب الجنوب نحو " المقر" ، تحفّك زغاريد الكركيات وتراويد الأردنيات في سهول حوران وبيادر العالوك :" ع العود اليابس ع العود اليابس الله ينصر جيشك يا حابس "  .
.
.

وظلّ نبضك أردنياً محافظاً على قامتك العالية وشماغك المهدّب، صورة زاهيّة للأردني المُهاب المنذور لأمته، ورافضاً مصافحة أسيرك السابق شارون.
.
فالقادة لا يتغيّرون ولا يتبدلون، وإن ْتغيرتْ الدنيا وتبدّلتْ الرّيح وتلّونت وجوه الرجال ،

لم تصنع لنفسك منصبا أو تورّث لأبنائك عضوية  في مجلس إدارة شركة ، ولم تقايض الوطن بحقيبة وزارة ، أو بأسهم بورصة لا تنفع للصيد، أو ثمن بخس مهما علا  ، ولم تجعل الولاء مربوطا بمغنم أو مغرم ، لذا بقيتَ نظيفا طاهرا ، بعيدا عن البزنس وشركاء الكميسون ، وظل الوطن في عينيك قصة حب وهوية وزيتونا لا يتغير لونه شتاء ولا صيفا .

أكتبُ إليك ومن القلبِ الذي ما كانتْ بوصلته إلا الوطن، ونحن نعبرُ هذا الزمان الصّعب ونذهبُ إلى الصورِ الناصعة من تاريخنا الأردني ، وقد مرّوا عليه أنت يا حابس ورفيقك وصفي ، عندما تحالفَ البعض على البلد، وظنّوا أنهم قادرين على ليّ ذراعهِ فعاهدتم الوطن " على المصحف والدم " ، وكان  لكم موقفاً لن ينساه الأردنيين عندما تقاعسَ الآخرين واختبؤا وانحسرتْ الرجال وعبروا به نحوَ الأُلى والأمان .

اليوم أبا سطام يوزن رجال الدولة والحكومات مواقفهم بما يكسبون ، فالذي يحمل جنسيتان يلعب على الحبل الذي يراه أكثر كسبا .
.
.
وهناك من بإسم الوطنية ذبحونا، وزاد من وجعنا وفقرنا وضاعف من مديونية البلد ، وفوق ذلك يتمنن علينا ، وما زال الفساد ديدنه .
.
.
.
شحّ الوطن من رجاله .
.
  لذا فالرجال لا تولد من رحمِ الأمّهات ولكن هي المواقف من تصنعهم،  وعندما بكاك الأردنيين فقد بكوا رجل بحجم الوطن .
.
لا ألوم حبيب الزيودي عندما سمعَ بنعيك  عبر الإذاعة ركن سيارته على جانب الطريق وبكاك حتى بللّ الدمع وجه وأنشد مرثاته :"إلك كانتْ يا عذب الطول طلّات علامك غبت ْ والدنيا تشارين.
.
.
  والك كانتْ يا ابو الشومات شومات عليها زغردتْ مريوشة العين .
.
وإلك كانتْ  على الفرسان صيحاتْ ترجّ بعصفها أركان الميادين"  .

السلام عليك في ذكرى رحيلك وسنظل نقرأ شعرك على " رديين الحيل " ونقول أن " كراسي الوطن ورجالها ورماح القنا " قد غابوا .

فرحمك الله يا حابس ، ورحم الله الرجال الكبار والشهداء الذين ما بخلوا على الوطن بدمهم حتى ولو غابوا تحت التراب فالأحياء من هم أحياء الذكر .
.
والسلام على صاحب الذكرى وعلى الوطن الأغلى الذي لن يغيب  .